السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

29

مختصر الميزان في تفسير القرآن

نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( الجاثية / 29 ) على ما سيجيء من البيان في تفسير الآية ان شاء اللّه تعالى أن معنى كتابة الملائكة اعمال العباد هو اخراجهم الاعمال من كمون الاستعدادات إلى مرحلة الفعلية الخارجية ورسم نفس الاعمال في صحيفة الكون وبذلك تنجلي عليّة كتابة الرسل لأعمالهم لكونه تعالى اسرع مكر اتمام الانجلاء فان حقيقة المعنى على هذا : أنّا نحن نخرج اعمالكم التي تمكرون بها من داخل ذواتكم ونضعها في الخارج فكيف يخفى علينا كونهم تريدون بنا المكر بذلك ؟ وهل المكر إلّا صرف الغير عمّا يتصده بحيلة وستر عليه بل ذاك الذي تزعمونه مكرا بنا مكر منا بكم حيث نجعلكم تزعمونه مكرا وتقدمون على المكر بنا ، وهذه المزعمة والاقدام ضلال منكم وإضلال منا لكم جزاء بما كسبته أيديكم ، وسيأتي نظير هذا المعنى في قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ الآية 23 من السورة . وفي الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله : إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ على قراءة تمكرون بتاء الخطاب وهي القراءة المشهورة ، وهو من عجيب الالتفات الواقع في القرآن ولعل النكتة فيه تمثيل معنى قوله : قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً في العين كأنه تعالى لمّا قال لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم « قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً » أراد ان يوضحه لهم عيانا ففاجأهم بتجليه لهم دفعة فكلّمهم وأوضح لهم السبب في كونه اسرع مكرا ثم حجبهم عن نفسه فعادوا إلى غيبتهم وعاد الكلام إلى حاله ، وخوطب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ببقية الخطاب « هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ » الخ ؛ وهذا من لطيف الالتفات . قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ إلى آخر الآية ؛ الفلك السفينة وتستعمل مفردا وجمعا ، والمراد بها هاهنا الجمع بدليل قوله : وَجَرَيْنَ بِهِمْ والريح العاصف : الشديدة الهبوب ، وقوله : أُحِيطَ بِهِمْ كناية عن الاشراف على الهلاك ، وتقديره أحاط بهم البلاء أو الأمواج ، والإشارة بقوله : « مِنْ هذِهِ » إلى الشدة . ومعنى الآية ظاهر .